Make your own free website on Tripod.com

  MANAR SCIENTIFICمؤسسة منار العلمية للدراسات والبحوث الصحية ESTABLISHMENT for HEALTH STUDIES& RESEARCHES

المسح الجغرافي – الطبي لولاية اليمن

سنة 1304 رومية / 1888 م

 

تـــألــيـف  : الدكتور عـبـد الـحـكيم حكمت

تـرجـمة وتعليق : الدكتور محمود الحاج قاسم محمد

طبيب أطفال – باحث في تاريخ الطب العربي الإسلامي

                                                     الموصل – العراق

 

 مقدمة المترجم :

يمثل هذا البحث جزءً من تقرير طبي كتبته هيئة مؤلفة من ثلاثة أطباء كلفت من قبل السلطان عبد الحميد الثاني ( الذي حكم 1876 – 1909 ) بزيارة خمس من الولايات العثمانية ابتداءً من سنة 1887 ولمدة ثلاث سنوات ونيف وهذه الولايات هي ( طرابلس الغرب [1]، بنغازي ، الحجاز ، اليمن ، بغداد).

ولأجل إعطاء فكرة موجزة عن التقرير نقتطف بعض الفقرات من مقدمة رئيس الهيئة الطبية التي كتبت التقرير وهو الدكتور عبد الحكيم حكمت ( والذي كان في زمانه أستاذاً بكلية الطب في استنبول وعضواً في الجمعية الطبية العثمانية ورائداً في الجيش ) ، يقول الدكتور عبد الحكيم حكمت
(( اقتضت الإرادة السنية أن تقوم هيئة صحية بجولة في الولايات العربية وإجراء مسح طبي شامل فيها . وهذه الولايات هي طرابلس الغرب وبنغازي والحجاز واليمن وبغداد ، وذلك خلال ثلاث سنوات ونيف من التحريات والبحث والاستقصاء لدراسة كل جوانب هذا الموضوع بالغ الأهمية )) .

((ويسرنا أن نرفع تقريرنا هذا على هيئة كتاب سميناه (استكشافات طبية) وهو يعني ( دراسات طبية ) ولعله من الجدير أن نذكر خلفيات هذه المهمة والهيئة المذكورة ، حيث وردت إلى كلية الطب مراسلات تتضمن استفساراً من الإرادة السنية حول طرائق العلاج المحلي في الولايات العربية ، وكذلك تطلب تفصيلات عن الحالة الصحية ومسحاً للأمراض المنتشرة وعوامل انتشارها في كل ولاية على حدة )) .
(( وقد قسمنا كتابنا هذا إلى قسمين :

الأول : حول المسح الطبي وسميناه الطبوغرافيا الطبية لهذه الولايات .

الثاني : لمحات عن الطب العربي المطبق في هذه الولايات وإبراز جوانبه التاريخية والاجتماعية والعلمية وقد تناولنا وصف الطبوغرافيا الطبية لكل ولاية على حدة ، وهذه تشمل جغرافية الإقليم ، جيولوجية الأرض ، المياه ، الحرارة ، الرياح ، المساكن ، الملابس ، الغذاء ، البنية الجسمية ، مزاج السكان ، العادات ، الحرف ، الأمراض المنتشرة ، مكان وهيئة المقابر . وحيث أن طرق العلاج التي يزاولها الأطباء العرب في مختلف هذه الولايات المذكورة هي طرائق متشابهة لذا رأينا من المناسب جمعها في قسم واحد وسردها دون تمييز وتجنب التكرار ما أمكن . كما راعينا منتهى الدقة والعناية عند جمع المعلومات وتدوين المشاهدات المختلفة خلال هذه المهمة حتى تكون الدراسة على أتم ما يكون من الصحة والحقيقة )) .

نقول أن ما جاء في التقرير مصداقاً لما ذكر في المقدمة فقد تناول التقرير ثلاث مسائل مهمة هي :

الأولى : الأمراض المنتشرة .

الثانية : العوامل والعادات التي تساعد على انتشار الأمراض .

الثالثة : طرق العلاج وأنواع الأدوية المحلية .

وبذلك أعطى التقرير صورة واضحة المعالم لأوجه الحياة الاجتماعية في المنطقة العربية ، وتأثير ذلك على صحة الإنسان ، كما حوى التقرير حالات مرضية وطرق علاجها ، وسرد لبعض القصص التي شاهدتها الهيئة عن كتب وإشارات لبعض الروايات من المرضى .

كل ذلك جاء بشكل واضح وأسلوب سهل وكلام علمي موزون يدل على خبرة الهيئة الطبية العالية ورأيها المعتدل وملاحظاتها الدقيقة المتعمقة في كل حالة تصادفها ، فلا نرى أي نقد لاذع لطريقة علاجية من طرق العلاج الشعبي ، بل يحاول التقرير دائماً إيجاد المبررات لعدم استعمال الوسائل الأخرى من الطب.

وصـف المـخـطـوط :

لم يتيسر لنا مشاهدة المخطوط ، ننقل هذا الوصف عن الأستاذ عبد الكريم أبو شويرب حيث يقول :
(( لهذا المخطوط نسخة واحدة فقط ، وهي في مكتبة جامعة استنبول وقد آلت إليها ضمن مجموعة كتب ومخطوطات حولت من مكتبات القصور (مكتبة قصر يلدز) والتي أهديت للسلطان عبد الحميد كنسخة واحدة فقط ، والمخطوط في حالة جيدة وتجليد مزخرف وعليه الطغراء المعروفة والحروف الذهبية . 

أحجام الصفحات : 21 × 28 سم ، وتوجد هوامش أو حواشي أو تعليقات أو رسوم .

الـخــط : نسخ عادي مقروء .

عدد الصفحات : 470 صفحة ، 10 أسطر في كل صفحة )) [2].

ونضيف القول بأن رقم المخطوط هو ( 4320 ) .

لقد اعتمدنا في إعداد هذا البحث على الصورة المستنسخة بالميكروفيلم وأن ما نقدمه هنا هو ترجمة للجزء المتعلق بولاية اليمن من المخطوط عدد صفحات هذا الجزء هي ( 71 صفحة ) ، نقدم فيما يلي ترجمة للنص المتعلق بولاية اليمن وقد ارتأينا تسميته بـ

( المسح الجغرافي – الطبي لولاية اليمن سنة 1304 هـ / 1888 م )

أما دليلنا بأن زيارة الهيئة لليمن كانت سنة 1304 هـ / 1888 م فهو ما يلي :

يقول الدكتور عبد الكريم أبو شويرب : (( جاءت هذه البعثة طرابلس سنة 1305 هـ / 1887 م وزارت عدة مناطق في ولايتي طرابلس وبنغازي وتركت لنا وثيقة لدى مكتبة المحفوظات وعليها ختم الطبيب
عبد الحكيم حكمت ورفيقه عباس وهي شهادة لطبيب شعبي بأنه كفء )) [3].

وبناءً على ما جاء في الجزء المتعلق بولاية بغداد من التقرير أن الهيئة قد عايشت موجة وباء الكوليرا في بغداد سنة 1305 رومية / 1889 م .

وجاء في الصفحة الأخيرة من المخطوط (( بأنه بفضل الله تم كتابة هذا الكتاب في شهر أيلول من سنة 1306 رومية )) وهو يقابل 1890 م .

لذا نستنتج مما سبق كله بأن بداية المسح الطبي للولايات الخمس كانت طرابلس ونهايتها بغداد وأن زيارة الهيئة لولايتي الحجاز واليمن كانت خلال 1304 رومية / 1888 م وإذا أخذنا التسلسل الذي ذكر في التقرير بنظر الاعتبار تكون زيارة اليمن بعد الحجاز .

النـص المـتـرجم :

المسح الجغرافي – الطبي لولاية اليمن

( سنة 1304 رومية / 1888 م )

 

تقع ولاية اليمن في قارة آسيا في الجهة الجنوبية من جزيرة العرب ، بين درجات العرض 3 درجات و26 دقيقة – درجة و2 دقيقة شمالاً . وبين درجات الطول 41 درجة و18 دقيقة – و12 دقيقة شرقاً .

يحدها من الشمال ولاية الحجاز ومقاطعة نجد ، وجنوباً ميناء عدن ، وشرقاً حضرموت وبلاد نجد ، وغرباً البحر الأحمر .

تضم ولاية اليمن ألوية صنعاء وحديدة وعسير ، ومركز الولاية هي صنعاء .

تقع مدينة صنعاء على خط العرض 15 درجة و22 دقيقة شمالاً ، وعلى خط الطول 44 درجة و32 دقيقة شرقاً ، وسط واد عظيم يمتد من الجنوب حتى الشمال ، وارتفاعها عن سطح البحر 2280 م .

ولاية اليمن كولاية الحجاز تنقسم إلى سرا وتهامة . السرا اليمنية – هي عبارة عن سلسلة جبلية تبدأ من أراضي عدن الواقعة في الجهة الجنوبية لجزيرة العرب وتمتد إلى جدة وكذلك بعض الأراضي في ساحل البحر الأحمر والجبال الصغيرة الكائنة فوقها .

طول السرا اليمنية تتجاوز 370 ساعة وعرضها من 25 – 38 ساعة وارتفاعها من 2000 –3000 م وأعلى هذه الجبال هي جبال مناخة ، جبل حضور ، جبل شعيب ، جبل فتشة ، جبل الفراكة ، جبل
كوكبان ، جبل حجة وغيرها .

مع كون اليمن تعد من الممالك الحارة إلاّ أن البلدان والقرى الواقعة على سرا اليمنية مثل
صنعاء ، أبها ، بحيرة ، مناخة ، حجة طويلة هواؤها لطيف . وعلى العكس بعض المواقع الساحلية في تهامتها مثل الحديدة ، قنفذة ، نخابجة من الممالك الحارة .

المياه الموجودة في اليمن : ثلاثة أنواع

إحداها : تنبع من الجبال وتجري إلى الوديان وأكثرها هي المياه التي تصب في البحر.

الثانية : هي مياه الأمطار.

الثالثة : هي الماء الذي يؤخذ من الآبار .  

المياه العظيمة التي تجري في أودية اليمن عددها تقريباً ثمانية عشر، وهي بعد أن تسقي وتروي أراضي شاسعة تصب أغلبها في البحر، وبعضها تصل إلى تهامة وتغور في أراضيها الرملية . وفيما عدا هذه هناك مياه جارية من منابع كثيرة، وهذه أيضاً تضيع مياهها في الوديان علماً بأن مياه هذه الينابيع دائمة الجريان .

مياه الأمطار في الولاية تشكل سيولاً كثيرة تجري في الوديان وتسقي وتروي أراض شاسعة. ومثل ذلك أيضاً الأمطار التي تمطر في الصحارى والتي تروي العديد من الحقول . إلاّ أن هذه السيول ليست دائمة الجريان بل تنقطع بعد الأمطار بفترة قصيرة .

الأمطار في هذه الولاية تبدأ بالهطول عادة من تشرين الثاني وحتى نهاية أيلول وتشتد في آذار وحتى نهاية مايس . في المواقع التهامية أيضاً تمطر ، والأمطار الأخرى تكون من تموز وحتى أيلول وعادة تكون في جبال السرا فقط .

تتصف أمطار هذه الأماكن بصفتين الأولى أنها تمطر في أوقات غير ثابتة وبقدر ضئيل . والأخرى خاصة في أشهر نيسان ومايس تبدأ كل يوم في نفس الوقت وتستمر إلى نفس الوقت . ففي أشهر نيسان و مايس تبدأ الأمطار نهاراً في الساعة التاسعة وتستمر بدون انقطاع حتى الحادية عشرة ، وعندما لا يكون في الجو أية غيمة خلال دقيقة أو دقيقتين تظهر غيوم سوداء وتمطر . ولا يكون هطول الأمطار في جميع الأماكن متساوي فبينما تكون شديدة في ناحية إذا بها لا تمطر في ناحية أخرى ، والأمطار التي تحصل في كل سنة لا تشبه أمطار السنة الأخرى .

في بعض الجبال التي ارتفاعها 3000 م درجة الحرارة تنخفض أحياناً تحت الصفر . ومن المفروض أن تثلج هنا بدل الأمطار إلاّ أن جفاف الهواء يحول دون ذلك . ومع ذلك تثلج في حالات نادرة في جبال حضور ، شعيب ، فتشة . وعلى العكس في بعض فيافي الجبال الأقل ارتفاعاً يتجمد الماء في بعض تجمعات الماء والصهاريج على الرغم من كون درجة الحرارة تكون فوق الصفر ببضع درجات . وسبب ذلك من زيادة التبخر ولهذا السبب أيضاً على الرغم من ارتفاع درجة الحرارة يحس المرء بالبرودة . في حين في تهامة على الرغم من كون درجة الحرارة أقل يكون التبخر بطيئاً جداً فيبقى الجلد مغطى دائماً بالعرق ويحس المرء بالحرارة .

في وديان بعض الجبال كجبال سنان وكوكبان وحجة لوجود مياه جارية وآبار، يجمع الأهالي والعساكر المياه في أحواض كبيرة جداً فيشربون منها الماء و يستعملونه. المياه المتجمعة في هذه الأحواض قد تبقى أحياناً ثلاثة أو أربعة أشهر ، ولكون هذه الأحواض مفتوحة فإن الرياح ترمي فيها التراب والغبار وغير ذلك ونتيجة لذلك ولركود المياه يتشكل فوقها طبقة خضراء سطح الأرض، وفتحتها المفتوحة في الزقاق واسعة ومائلة إلى الداخل . لذا فإن مجرى البول يتنخر نتيجة تيبس البول فيه فتنتشر روائح الأمونيا
في الأزقة . 

القاذورات التي تتجمع في مدة يومين أو ثلاثة في طرف القناة الواسعة حيث يرمى عليها الرماد والتراب الذي يجمع في الدور فيختلط معها فتصبح قاذورات مع شيء من مواد رملية ، وهكذا يجمع اليهود هذه المواد من الأزقة ويحققون شيئاً من النظافة الجزئية للأزقة .

والعرب الذين في بئر العذب أيضاً بنفس الحال إلاّ أن الدور المبنية على الأصول الحديثة مرافقهم متصلة بآبار محفورة .

وفي الجهة الشمالية الشرقية من بئر العذب تقع محلة اليهود المبنية من اللبن والطين ولا تتجاوز الطابق أو الطابقين .

ولكون أطراف صنعاء عارية من الغابات ومغلقة فإن الأهالي يحرقون فضلات الحيوانات الجافة ( الجلة ) بدل الحطب ، وواسطة التنوير لديهم على الأغلب زيت الزيتون أما الكاز والشمع فنادراً ما يستعملونها .

أزقة صنعاء إضافة لكونها ضيقة وملوثة بالغبار والتراب فإنها معرجة وغير منتظمة لذا فأخذ صورة لها أمر مستحيل . ولكن أزقة بئر العذب واسعة ولا تخلو من الحدائق والبساتين التي في داخل الدور أو بينها . وفي صنعاء نفسها هنا وهناك سواءً بين الدور أو خارج المدينة يوجد بساتين وحدائق بكثرة .

تبدلات الهواء تكون في الغالب سبباً لتلف الخضراوات ونتيجة لذلك فإن خضراوات اليمن غالية قليلاً ، لذا فإن الذين لديهم حدائق وبساتين قد اعتادوا على زراعة الخضراوات التي يحتاجونها . في الجهة الغربية من صنعاء نفسها هناك ماء جار كبير يسمى ( غيل الأسد ) لا يشرب الأهالي منه ويروون ويسقون منه الحدائق والبساتين ، وهناك في دورهم آبار ذات مياه مرّة ، إن أهالي صنعاء يشربون مياهاً حلوة تنبع من آبار أخرى مختلفة .

الأغنياء من الأهالي يمضون الصيف في مصايف فيها حدائق وغابات لطيفة مثل ( روضة ) التي تقع بعد صنعاء بثلاثة أرباع الساعة ، والأخرى ( وادي ظهر ) التي تقع على مسافة ساعتين ونصف ، والأخرى
( حدة ) التي تقع على مسافة ساعة ونصف .

سوق صنعاء مزدحم ودكاكينها صغيرة جداً إلاّ أن الدكاكين الثلاثين أو الأربعين التي أنشئت حديثاً واسعة ومنشرحة .

في صنعاء نفسها بضع جوامع وعدد كبير من المساجد . فيما عدا جامع البكرية المخصص للسنة والواقع في الجهة الجنوبية من صنعاء ، لا يوجد أي جامع تتوفر فيه الشروط الصحية . وفي أكثر المساجد العائدة للزيدية لا يوجد مفروشات سوى قطع من الحصير الغليظ اليابس وأغلبها مغطاة بالغبار والتراب وتفوح منها روائح كريهة .

في الجهة الشمالية من صنعاء يقع المستشفى العسكري الذي يضم أبنية منتظمة ولطيفة وموافقة لشروط حفظ الصحة . وهناك في صنعاء مدرسة رشدية واحدة مع بضعة مدارس ابتدائية لا تتوفر فيها الشروط الصحية حيث يجلس الطلاب في أماكن محصورة لا يتجدد فيها الهواء .

محل ذبح الحيوانات خارج المدينة وخالية من المحاذير الصحية .

المياه المستعملة تذهب بواسطة الأنابيب من كل طابق إلى غرفة المرافق ومن هناك وبواسطة المجرى المخصص للبول تجرى إلى الأزقة ، أوساخ ونفايات المدينة تنقل بواسطة نساء اليهود بسلال إلى الحقول والبساتين ، ومع ذلك تجد الأزقة مغطاة بالغبار والتراب دائماً . ولكن الأراضي صخرية فإنه لا تحدث أوحال كثيرة نتيجة الأمطار .

 يوجد في صنعاء إضافة للنزل الوحيد للمسافرين ودكان الطباخ ، هناك نزل أو نزلين مع بعض دكاكين الطبخ القذرة وغير المطابقة للشروط الصحية .

صنعاء فيها خمس أو ست حمامات ، إلاّ أن عدم ميل الأهالي للاستحمام فيها جعلهم يعملون لهم حمامات خاصة ، أما في بقية المدن والقصبات فإن الحمامات غير موجودة .

صنعاء التي تحوي (5000 دار) يسكنها (30000 شخص) ، وبذلك يصيب كل دار (6 أشخاص) ، ولذلك لا يبدو عليها الازدحام وإضافة لذلك أكثر الأهالي عندما ينتقلون إلى محلات مصائفهم في الصيف تفرغ منهم إلى النصف .

طراز أبنية الحديدة وأوضاعها تشبه إلى حد ما أبنية جدة وأوضاعها سوى أن أزقتها ملوثة بالغبار والتراب أكثر منها . بقية قصبات الولاية تشبه في أوضاعها صنعاء إلاّ أنها مختلفة عنها بكثير .

إنه لمما يدعو للعجب أنك تجد في بعض قمم جبال سرا قرى بيوتها متكونة من ثلاثة وأحياناً من أربعة طوابق ومبنية من دون طين أو جص وإنما بالحجر فقط ، وهذا يدل على مهارة وتفوق الأهالي في فن العمارة . وأحياناً تجد على أعلى قمة جبل بناءً على هذه الطريقة فيزيد عجبك من كيفية عيش هؤلاء هناك. داخل ولاية اليمن وخاصة فوق جبال سرا مع أن سطوح الدور مسطحة إلاّ أن الأهالي ينامون في الليالي على السطوح مثل بقية الأماكن العربية ، فكما أن درجة حرارة جبال سرا تعتبر مانعاً لذلك فإن تبدلاتها أيضاً تكون مانعاً أعظم . ولكن في الحديدة لعدم وجود هذا المانع فإن الأهالي ينامون على السطوح .

مـلابـس أهـل الـيـمـن : قميص واسع حتى الركبة وكذلك واسع الأكمام جداً وصبغه غير
ثابت ، ومع القميص فوطة ( إزار ) زرقاء ثم يلبسون فوق القميص قفطان وفي أرجلهم يلبسون النعال . الذكور جميعهم تقريباً يتمنطقون بخناجر حتى الركبة . وأكثرهم أثناء العمل والاشتغال يربطون الأكمام خلف الرقبة ، فتبدو الذراعان بدون أكمام . ويتميز علماء الدين بلبس عمامة كبيرة جداً وأكثر بياضاً
.

ملابس النساء أيضاً مصبوغة بالأزرق وهي عبارة عن فستان طويل وداخله في الصيف شرشف معمول من خام رقيق وفي الشتاء قفطان ، وفي أرجلهم حذاء أصفر من النوع اليمني ، وعلى رؤوسهن غطاء سميك يعرض أكثرهن للنزلات .

ومع أن ملابس أهل اليمن غير كافية لإقليم فيه تقلبات الهواء غير قليلة ، فإن القابلية الشخصية التي يتمتع بها أهل اليمن جعلت تلك الملابس كافية .

طـعـام أهـل الـيـمـن : طعام أهل اليمن بشكل عام غير كاف من ناحية الكمية والنوعية . ولعدم فراغهم من القات والقشر ، تجد شهيتهم مفقودة وأكلهم عبارة عن قليل من اللحم والأشياء المعمولة من العجين والدهن . إن الشيء الذي يؤدي إلى رداءة طعامهم هو القات والقشر ، وكذلك إن قلة المراعي في بعض جهات اليمن هي الأخرى سبب في عدم توفر الأغنام بشكل كاف وبالتالي عدم اكتفاء الأهالي من اللحوم ، وأخيراً نقول بأن أهالي اليمن لديهم قناعة وتحمل للجوع والعطش ، وإن غذائهم على هذه الصورة جعل أجسادهم نحيفة . وبجانب ذلك فإن التأثيرات الإقليمية الخاصة جعلت قواهم العقلية شديدة بالنسبة لأجسادهم . 

أهالي اليمن بشكل عام سمر اللون وذوو جهاز عضلي نحيف مع قابلية قوية بالنسبة لأجسادهم ، مزاجهم على العموم عصبي وعصبي لمفاوي وعصبي صفراوي . أجسامهم قوية وصحيحة ويتحملون التعب والمشقة .

شعر الذكور في الأغلب طويل ومعقد ، وفي كل يوم يدهنون شعرهم وجميع جسدهم بزيت الزيتون وبعد ذلك يلبسون قمصاناً مصبوغة حديثاً باللون الأزرق ، ونتيجة لتماس الدهن معها تتلون أجسامهم بلون أزرق ، حيث يزيدهم ذلك فخراً ويتباهون به لاعتبارهم الطبقة الزرقاء التي على أجسامهم دليلاً على النجابة .

طائفة0 النساء يومياً يدهن أجسامهن بزيت الزيتون . وإضافة على ذلك في كل أسبوع وخاصة القرويات يدهن شعرهن . وقليلاً منهن يذهبن للحمام ، حتى أن أكثرهن يعتبرن الذهاب إلى الحمام عار ، لذا فإن أجسام النساء تفوح منها روائح كريهة .

طلاء أجسام الأهالي بالدهن والصبغ الأزرق ( الجويد ) يعتبر من الضروريات الطبيعية وذلك وكما ذكرنا بأن بعض المواقع على جبل سرا جافة ، فالتبخرات الجلدية تكون سريعة لذا فبدهن الجسم بالدهون يجعله يقاوم التبخرات الشديدة . أما تأثير الصبغ الأزرق فغير معروف حتى الآن وربما يقوي الجلد . وأما دهن الشعر فإنه عبث لا فائدة منه .

بالنسبة لأهالي الحديدة نظراً لعدم وجود ضرورة طبيعية فإن هذه العادات غير موجودة لديهم .

أهالي اليمن المتمدنون ( الجزء الأعظم من هؤلاء ) مدمنون على شرب الخمر ، ولذلك تراهم يصابون بالأمراض التي تنتج عنه .

من العادات الغريبة والتي لها أهمية في مجال حفظ الصحة (( الختان )) الذي يجري في بعض مواقع عسير وهو كما يلي :

أولاً : على رأس من يقومون بالختان على هذه الصورة قبيلة ( أهل عطارش ) الموجودون في قضاء فجايل التابعة للواء عسير . وأصول ذلك كالآتي :

تجري هذه العملية بعد سن الخامسة والعشرين وذلك لعدم تحمل الأطفال إجراءه في سن مبكرة ، وتجرى عادة عند عقد القران والأغلب في الأعياد وذلك لأن الذي لا تجرى له عملية الختان لا يعتبر ذكراً بين القبيلة ، كما وأن البنات لا يرضون الزواج بعير المختتنين .

يجتمعون في موضع معتاد عليه في القبيلة وحتى الصباح يقرؤون الأشعار ويطلقون العيارات بالبنادق . وفي اليوم التالي ينصب مضيف مفتوح من الجوانب ويتسع لأكثر من ألف من الضيوف ، وبعد تناول الأكل يخرجون إلى ميدان يكون أقرباء الغلام من الذكور خلفه وخلفهم قريباته وبقية المدعوين خلف الجميع .

يدعو الغلام أولاً الحلاق لإجراء العملية ، ثم يخرج ذكره ويقف في الميدان ويمدح نفسه وأباه وأجداده ولواءه بشعر مؤثر وحزين . وخلال دقيقتين يقوم الحلاق بالختان بواسطة سكين صغيرة وبجرة
واحدة
، وفي بعض القبائل يسلخ الجلد من السرة وحتى المقعدة . وبعد ذلك يقرأ الشعر وترمي البنادق الإطلاقات ، ويؤخذ الغلام إلى سريره وينوم ويدواى جرحه من قبل الحلاق ، وإذا أبدى الغلام علامات تألم كأن يقول آه وآه أثناء العملية فإنه ينال تأنيب من حوله إلى درجة نعته بقلة الحياء ، علاج المختتنين يستغرق عدة أشهر وهناك من يهلك نتيجة ذلك .

وإنني لم أشاهد هذه العملية إلاّ أن سماعي لوصف ذلك واستخباري من عدد من القائمقامية في مخايل ومن عدد من الذوات وأهالي اليمن ومن كثير من التجار وأهل الخبرة ، جعلني اقتنع وأطمئن على صحة ذلك. مع كون أهل اليمن مفطورين على الذكاء إلاّ أن قابليتهم الذاتية للإبداع معدومة.

صـنـائـع أهـل الـيـمـن : الصنائع التي يشتغلون بها محدودة والصنائع المحلية التي يقومون بها
هي : بستاني ، حراث ، بناء ، حمال ، سائس ، حائك ، حفار آبار ، بائع العقيق ، خباز ، خياط ، بائع القمصان ، وفي السواحل عدا هؤلاء ، سماك ، بائع الصدف ، وغير ذلك .

الأمـراض الـواقـعـة هـنـا : أهمها داء الإفرنكي ، حرقة البول ، دودة المدينة ، حمى التيفوئيد ، ديزنطاريا ، أمراض المعدة والأمعاء ، حمى متقطعة ، حمى خبيثة ، أمراض الكبد ، أمراض جلدية ، سل الرئة ، داء الخنازير ( تورم العقد اللمفية في الرقبة ) ، كسور ، رضوض .

في صنعاء نفسها داء الإفرنكي منتـشر بكثرة ، فالنساء محترفات البغاء جميعهن مصابات ، والذكور الذين يرتادون هذه المحلات أغلبهم يصابون ، وهناك مصابون غير معروفين أيضاً .

لذا فبهمة والي اليمن وصاحب الشأن فيها دولت حجي عمار باشا الوطنية في صنعاء نفسها جمع هؤلاء المرضى في مستشفى خاص للرجال وآخر للنساء للعلاج .

دودة المدينة : من الأمراض المحلية وتكثر في الحديدة وقنفذة الواقعة في تهامة وفي المواقع التي فيها مياه الآبار الصالحة للشرب تنفذ هذه الديدان في الأرض وبواسطة الماء تنتقل بيوضها إلى الآبار ، ويعتقد أن هذه البيوض من ثم تنتقل إلى بدن الأشخاص الذين يشربون الماء .

ولعلاج هذه الديدان وإخراجها بسهولة من البدن تؤخذ أوراق ما يسميه العرب في طرابلس نبات ( برمنج ) وفي اليمن ( عشر ) ويدهن الوجه العلوي للورقة بزيت الزيتون وتوضع على فتحة خروج الدودة وتربط ليلة واحدة ، وفي اليوم التالي تخرج الدودة بشكل كامل ، هذا ما رواه أهالي الحديدة وبعض الجراحين والصيادلة فيها .

أسباب الحمى التايفوئيدية والحمى الخبيثة : أحدها هذه المياه المتجمعة في الأحواض في بعض الأماكن في اليمن ، والآخر هو التبديل المفاجئ لمحل الإقامة بالنسبة للذين قد ألفوا الإقامة على جبال سرا وخاصة الذين هم أجانب بالنسبة لإقليم اليمن ، وبالذات بالنسبة لمناطق تهامة وخصوصاً المحلات التي هواؤها رطب مثل منطقة الحديدة أو بالعكس بعد التعود الإقليمي في مناطق تهامة فجأة القيام بتبديل المحل إلى جبال سرا ، ومشاهدة مثل هذه الأمراض في الأجانب تؤكد ذلك .

الديزنطاريا : تحدث على الأغلب في الحديدة وفي أكثر الأحيان تكون مهلكة ، مياه الحديدة لها علاقة في تولدها .

أسباب أمراض المعدة والأمعاء والكبد في اليمن هي رداءة الأكل ، الإمساك الناتج عن تناول القشر والقات والخمر .

الحمى المتقطعة : تظهر كثيراً في بعض المواقع على طول سواحل تهامة مثل الحديدة ، قنفذة ، لجة ، أبو عريس ، وكذلك القصبات والقرى الواقعة في تعز ولجة وكوكبان الواقعة على جبال سرا حيث الجو رطب ويتم شرب الماء من الأحواض ، تحدث في هذه المناطق وخاصة في المواقع التي تحيطها بعض الأراضي الزراعية .

موجز البحث :

البحث جزء من تقرير طبي باللغة التركية العثمانية كتبته هيئة طبية كلفت من قبل السلطان عبد الحميد الثاني بزيارة خمس من الولايات العثماني ( طرابلس الغرب ، بنغازي ، الحجاز ، اليمن ، بغداد ) خلال السنوات ( 1887 – 1890 م ) . وجاء التقرير على هيئة كتاب سموه ( استكشافات طبية ) وقسم الكتاب إلى قسمين يبحث :

(( الأول : حول المسح الطبي وسموه الطبوغرافيا الطبي لهذه  الولايات تناولوا فيه كل ولاية من الولايات من الناحية الجغرافية ، جيولوجية الأرض ، المياه ، الحرارة ، الرياح ، المساكن ، الملابس ، الغذاء ، البنية الجسمية ، مزاج السكان ، العادات ، الحرف ، مكان وهيئة المقابر ، الأمراض المنتشرة .

الثاني : لمحات عن الطب العربي المطبق ، وجاء في التقرير ، حيث أن طرق العلاج التي يزاولها الأطباء العرب في مختلف هذه الولايات هي طرائق متشابهة لذا رأينا من المناسب جمعها في قسم واحد وسردها دون تمييز وتجنب التكرار ما أمكن )) .

وقد اعتمدنا في ترجمة هذا الجزر المتعلق بولاية اليمن على الصورة المستنسخة بالميكروفيلم لمخطوط الكتاب المذكور ( المرقم 4320 ) والموجود في مكتبة جامعة استنبول .


 

[1] - قام صديقنا الدكتور عبد الكريم أبو شويرب بترجمة الجزء المتعلق ولايات طرابلس وبنغازي ونشره باسم الطب الشعبي في ليبيا وصدر الكتاب سنة 1989 ، وله الفضل في تحفيزنا لترجمة بقية الأجزاء التي أتممناها ، وإن شاء الله سوف نصدرها مجتمعة بكتاب في المستقبل .

[2] - حكمت ، الدكتور عبد الحكيم : الطب الشعبي في ليبيا – ترجمة الدكتور عبد الكريم أبو شويرب . إصدار مركز دراسة جهاد الليبيين 1989 ، ص 15 .

[3] - المصدر نفسه : ص 12 .

[4] - أمب = أنب = أنبه ( هندية ) = عنب ( اليمن ) = Mongifora indica  أحمد عيسى : معجم أسماء النبات ، ص 114 .

[5] - طلح = أم غيلان = ثمره يسمى ( علّف ) = ولحاه يسمى بنك ( فارسية ) = Acalia gummifera  المصدر نفسه ، ص 2

[6] - علس = حنطة رومية = شعير رومي = كنيب اليمن = شعير هندي ( Tritilum Spelta  ) المصدر نفسه ص 2 .

[7] - واحدة عشرة = خرفع ( وهو ثمره ) = الأشخر ( يمانية ) وثمره يسمى بيض العشر ( مصر ) ( Ascleplas Gigantea  ) المصدر نفسه ص 23 .

[8] - قنّة = بازرد = لزاق الذهب ( صمغه ) = Ferula galbaniflua  ، المصدر نفسه ص 82 .

 

مؤتمرات

 

البحث العلمي العربي معوقات وتحديات

 تواصل معنا

 الكادر ومستشارينا

 بروفسور. د. حسين الكاف

 بروفسور. د.عبدالله عبدالولي ناشر

الدكتور محمد السعيدي

الدكتورة روزا الأغبري

أ. م. عايدة عبدالعزيز نعمان

د. ناصر قائد سيف

بروفسور صلاح الدين هداش

 أ. طارق صلاح أسعد

د.منير الشميري

  جرب ذلك

التشريعات الصحية في اليمن

المسؤولية الطبية

جهات متعاونة مع المؤسسة

تكوين العضوية في المؤسسة

ندوات علمية

ورش عمل

حلقة نقاش

توعية صحية

تدريب و تأهيل 

التعليم الطبي في اليمن

استثمار التعليم الصحي في اليمن

مراكز صحية

مستشفيات

معاهد صحية

 

نقابات

نقابة أطباء الأسنان اليمنيين

نقابة الأطباء والصيادلة اليمنيين

 

منظمات غير حكومية

واجبات وحقوق الطبيب

واجبات وحقوق الموظف

انتهاكات الحقوق

شطة ميدانية

الأحداث

حوادث السير وأطفال المدارس

الصحة المدرسية

الإصدارات الصحية في اليمن

المعاقين

 

التأهيل وتنمية الكفأت

بنك المعلومات

 

حقوق الإنسان

حقوق الطفل

حقوق العاملين

حقوق المرأة

 

الخدمات الصحية والبحث العلمي

 

استثمار الكفاءات البشرية

استنزاف القدرات وهجرة الكفاءات

معلومات قيمة

 

أرسل رسالة بريد إلى msehsr1@gmail.com تتضمن أسئلتك أو تعليقاتك حول موقع ويب هذا.
Copyright © 2007 جميع الحقوق محفوظة لموقع مؤسسة منار العلمية للدراسات و البحوث الصحية
المقالات تعبر عن آراء كاتبيها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

تاريخ التعديل: 12/20/07